أحمد بن علي القلقشندي

79

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

المثل السائر « ربّ واثق خجل » وأسباب ثمرة الهوى الذي ما زال يجمح براكبه ، ويريه سوء عواقبه ؛ وعلم أنه لم يخط فيما شرع فيه ، واستمرّت على الخطأ أواخره ومباديه ، إلا بوعد أخلف ، ومال أتلف ؛ وخطر ارتكب ، وصواب تنكَّب ، وحزم أضيع ، وهوّى أطيع ، حتّى كان قصاراه ، دفع اللائمة عنه ، فإنه أوصل الحجيج إلى مقصودهم وأعادهم ، وأحسن التواصل حتّى أدركوا من أداء الفريضة مرادهم ؛ وهل اعترض دون هذا الأمر مانع ، أو كان عنه دافع ؟ لولا ما صوّره من الأسباب التي أفسد بها الأمور ، وأوغر بمكانها الصّدور ، وكفل بعد ما قرّره من ذلك ومهّده ، ما عكسه سفه الرأي عليه ، وأبعده العجز عن الوصول إليه ؛ وأيّ عذر في هذا المقام يستمع ؟ أم أيّ لائمة عنه تندفع ؟ وقد جرت الحال على ما علم ، وتحدّث بانخراق حجاب الهيبة كلّ لسان ناطق وفم ، ووقع الاتفاق من كافّة الحاجّ على أن تمسّك نائب مكة بطلب الرّضا ، وتكفيل خصمه باستدراك ما تلف من التفريط في معايشه ومضى ، ونظره في العاقبة التي ينظر فيها ذوو الألباب ، وعمله بما أصدره الديوان العزيز من مكاتبة أمر فيها بالطاعة وخطاب ؛ وهو الذي لأم النوبة وشعبها ، وسهّل عسيرها ومستصعبها ؛ ولو افتقرت إلى سعي أمير الحاجّ واجتهاده وإبراقه بعسكره وإرعاده ، لكان الحجّ ممتنعا والخطر العظيم متوقّعا ، ولم يحصل الوفد إلا على التغرير بالنفوس ، والجود منها بكل مضنون به منفوس ؛ ثم عرب الطريق الذي ما زال أمير الحاجّ في حقّهم خاطبا ، ولإكرامهم بالقول المتكرّر طالبا ، وجاعلا ما لعله يتأخّر من رسم أحدهم من دواعي الخطر في سلوك [ الطريق ] ( 1 ) المردية ، وموجبات الفساد في المناهل والأدوية ، يتلو من النّهب والاجتياح ، والأذى العائد على فاعله بالاقتراف العظيم الوزر والاجتراح ، بما يؤلم شجاعة القلوب ويحرّقها ، ويبكي العيون ويؤرّقها ؛ ولقد انتهى أن العسكر المنفّذ أمامه كان يتنقّل في هضاب البرّيّة وغيطانها ، وينقّب عن منازل العرب وأوطانها ، فيستقري أحياءهم حيّا فحيّا ، ويتخلَّل الفجاج فجّا ففجّا ، فإذا شارفوا قبيلة منهم طلب النجاة منهم بالحشاشات ( 2 ) رجالها ، وأسلمت إليهم نساؤها وأطفالها

--> ( 1 ) الزيادة عن الطبعة الأميرية . ( 2 ) الحشاشة : بقية الروح في المريض .